الخطيب الشربيني
19
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 38 إلى 42 ] أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 38 ) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 39 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ( 40 ) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 41 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ( 42 ) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا أي : بالإيمان الْحُسْنى وهي الجنة وَزِيادَةٌ وهي النظر إليه تعالى في الآخرة ، كما في الحديث الصحيح : « إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا أن يا أهل الجنة فيكشف الحجاب فينظرون إليه فو اللّه ما أعطاهم اللّه شيئا هو أحب إليهم منه » « 1 » . والزمخشري في « كشافه » قال في هذا : وزعمت المشبهة والمجبرة ؛ لأنّ المعتزلة ينكرون الرؤية ، ويردّ عليهم قول اللّه تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة ، 22 ، 23 ] فأثبت اللّه لأهل الجنة أمرين أحدهما : النضارة وهي حسن الوجوه ، وذلك من نعيم الجنة . والثاني : النظر إلى اللّه تعالى . وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : الحسنى الحسنة ، والزيادة عشرة أمثالها . وعن الحسن : عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف . وعن مجاهد : الزيادة مغفرة من اللّه ورضوان . وعن يزيد بن شجرة : الزيادة أن تمرّ السحابة بأهل الجنة فتقول : ما تريدون أن أمطركم ، فلا يريدون شيئا إلا أمطرتهم ، ولا مانع من أن تفسر الزيادة بذلك كله ؛ إذ لا تنافي فيها والفضل واسع . وَلا يَرْهَقُ أي : يغشى وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ أي : سواد وَلا ذِلَّةٌ أي : كآبة وكسوف يظهر منه الانكسار والهوان . أُولئِكَ أي : هؤلاء الذين وصفهم اللّه هم أَصْحابُ الْجَنَّةِ وقوله تعالى : هُمْ فِيها خالِدُونَ إشارة إلى كونها دائمة آمنة من الانقطاع ولا زوال فيها ولا انقراض ، بخلاف الدنيا وزخارفها . ولما بين تعالى حال الفضل فيمن أحسن بيّن حال العدل فيمن أساء بقوله تعالى : وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ أي : الشرك جَزاءُ سَيِّئَةٍ منهم بِمِثْلِها بعدل اللّه من غير زيادة ، وفي ذلك إشارة إلى الفرق بين السيئات والحسنات ؛ لأنّ الحسنات يضاعف ثوابها لعاملها من الواحد إلى العشرة إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة تفضلا منه تعالى وتكرّما . وأما السيئة فإنه يجازي عليها بمثلها عدلا منه تعالى وَتَرْهَقُهُمْ أي : تغشاهم ذِلَّةٌ عكس أهل الجنة ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ أي : مانع يمنعهم من عذاب اللّه إذا نزل بهم كَأَنَّما أُغْشِيَتْ أي : ألبست وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً لفرط سوادها وظلمتها . وقرأ ابن كثير والكسائي بسكون الطاء ، أي : جزء ، والباقون بفتحها جمع قطعة ، أي : أجزاء أُولئِكَ أي : هؤلاء الأشقياء أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لا يتمكنون من مفارقتها . وَ اذكر يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ أي : الفريقين الناجين والهالكين ، العابدين منهم والمعبودين ، من كل جانب وناحية إلى موقف الحساب حال كونهم جَمِيعاً لا يتخلف منهم أحد وهو يوم القيامة والحشر الجمع بكره إلى موقف واحد ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أي : الزموا مكانكم لا تبرحوا منه حتى تنظروا ما يفعل بكم ، وقوله تعالى : أَنْتُمْ تأكيد للضمير المستتر في
--> ( 1 ) أخرجه بلفظ قريب منه ، مسلم في الإيمان حديث 181 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3105 ، وابن ماجة في المقدمة حديث 187 .